كتب في الاثنين 24 نوفمبر 2008
هنالك”طبيعة” كما نقول بالغة المحلية٬ طبيعة أو عادة أراها سيئة للغاية وقد سببت العديد من المشاكل لأشخاص لم يتسببوا في ظهورها ولكنهم تأثروا بمن يحملونها فتسللت إليهم من دون إذن.
تلك الطبيعة موجودة في إحدى الأسر ولم أراها في أي مكان آخر٬ وهي تثير اشمئزازي وسقمي وكل شيء لا أحبه. أفراد هذه الأسرة يتمتعون بصحة جيدة واستقرار مادي إلا أنهم ورغم كونهم يعيشون معا في منزل واحد ويتشاركون جميع الوسائل والأمور، لا يعرفون بعضهم ولا يتقربون ويسألون ويتناقشون ويتعرفوا على أشخاصهم ، إن أولئك الأشخاص متعلمون متفهمون يتعاملون مع بعض الأجانب بكل صراحة وطلاقة، أما إذا تعلق الأمر بأقرب الناس إليهم فهم لا يفعلون. لا يمكنني وصف هذا إلا بالأمر التافه قل لي بربك ما فائدة أن يعيش الأشخاص معا إن لم كونوا متصارحين متعاونين في حل مشاكلهم وهمومهم! أعلم تماما كيف يفكر كل منهم ويمكنني أن أقول بأن ذلك نوع من الأمراض النفسية الناتجة عن قلة الثقة بالنفس وبعض الاضطرابات في الشخصية. سوف أشرح ذلك كما لم يفعل أحد منهم من قبل ولن أتكلم عن غير المقيمين بالبيت لأن الأمر لا يمسهم.
ماذا يعني أن لا يتحدث الأخ مع أخيه ولا يفتح له قلب ويناقشه برحابة صدر، المشكل أن سبب هذا الامتناع ليس أمرا قد اقتنع به الأخ لأمور شخصية أو لعدم مبالاة أو عدم وجود ما يتحدث عنه أو حتى كره الطرف الثاني وعدم محبته، ليس هذا هو سبب الامتناع ولو كان هذا هو السبب لكان أمرا معقولا قد يقبل مهما كانت مسبباته. السبب السخيف الساذج أن ذلك الأخ قد تعود على عدم الكلام مع أفراد أسرته وهو لا يستطيع أن يكسر تلك الحواجز الكبيرة التي بناها الزمن بينه وبينهم، ولو عدنا بالزمن للوراء وأردنا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية لهذا الهراء لوجدناها أتفه بكثير مما نتصور بل ربما لا نجد أي شيء سوى أن هذا الشخص لا يتكلم فحسب. إذا سمع أي أحد منا بحالة شخص منعزل لا يحب التكلم كثيرا وإذا تكلم فلن ينطق إلا بما هو مفيد٬ فإنه يقر بأن ذلك خلق حميد مطلوب وأنا معه في ذلك٬ لكن إذا عدنا لحالة هذا الأخ الكبير وعلمنا بأنه مجهول وسط عائلته و أخوانه مجهولون عنده وأنه يكاد لا يميز صوت أخيه الأصغر الذي ينام معه في غرفة واحدة لأزيد من أربع سنين عن صوت أي من الغرباء٬ وإن الكلمات المتبادلة بينه وبين أخويه خلال خمس سنين من العيش بين أسوار بيت واحد يمكن أن تجمع في صفحة واحدة! فبماذا يوصف ذلك غير وصفه بالـ “مرض” بل المرض المتعمد. لا أعتقد أن للناحية التكوينية والوراثية أي دخل في ذلك السلوك، رغم أن للناحية الاجتماعية والثقافة التي يأخذها الفرد من مجتمعه بعض الدور في ذلك.
يترتب عن عملية الكلام في بعض الأحيان عقاب شديد للذات، والإحساس بالألم والإحباط كما في حالات عدم القدرة على تأكيد الذات، أو حالات قسوة الأبوين، وهذا ما ينمي لدى الفرد الإحساس بأن الكلام مصدر للشقاء والتعب وأن عدم الكلام مصدر للراحة. لذلك نجد الفرد يسلك سلوكا صامتا، ودون أن يدري في بعض الحالات السبب وراء ذلك، خاصة إذا كانت حالة الصمت تشبع بعض الحاجات وتحقق بعض المكاسب للفرد المريض. لذلك نجده لا شعوريا يقاوم أي محاولة للكلام، ويمكن أن يسلك نفس السلوك في مواقف أخرى.
أدرك تماما أن المشكلة أكبر بكثير مما قد يفهمه قارئ هذه الكلمات٬ هذه بعض المواقف التي حدثت وما تزال تحدث. إذا أراد مثلا هذا الأخ الكبير أو الصغير أن يعرف أو يطلب شيئا من الآخر فإنه لا يفعل بالتأكيد ولو كان بحاجة ماسة لذلك ولو حدثت المعجزة وفعل فإن من وراء ذلك شيء كوجود أحد الأشخاص الأجانب أو أن الأوضاع وصلت لحد الحياة أو الموت أو أنه فعلها بواسطة. الأسباب معروفة مجهولة و هذا لا يقتصر على الكلام فقط بل يتعداه بكثير الكثير٬ إن الأخ يتملكه نوع من الخوف والخجل والرعب و مقاومة شديدة تمنعه من ذلك وكأنه على وشك أن يقابل إنسانا سيقيم الحد لحياته وهو في الحقيقة أخوه الشقيق! أليس هذا عيبا كبيرا.
ما يزيد الدهشة أن الأخ قد أكمل دراسته العليا وهو حاصل على شهادات وله قدرات عالية، مستقر ماديا ونفسيا ولا يعاني من أي مشاكل حسب ما يبدو٬ الأكثر من ذلك التزامه الشديد بتعاليم الدين الحنيف. مفارقات وتناقضات كبيرة لا أفهم كيف اجتمعت في إنسان واحد.
الأمر أكبر مما تتصور ويتخطى حدود البيت والأخوة فهم يذهبون بتلك العقلية إلى تعاملاتهم مع العالم الخارجي سواء في عملهم مع المسئولون والموظفون أو في المدرسة مع معلميهم ورفقائهم أو في الشارع مع الناس جميعا، الأمر الذي يسبب لهم مشاكل لا يمكن تعد.
إن المدة الكبيرة التي يقضيها هؤلاء الأشخاص في تلك الحالة تولد لديهم الكثير من المشاعر المكبوتة و الأحاسيس السيئة تجاه بعضهم و تجاه بعض الآخرين٬ لعل أكثرها تأثيرا وسلبية على تصرفاتهم سوء الظن المتبادل الناتج عن تخيل أمور و صياغة فرضيات تحمل بين طياتها أفكارا نابذة عن الطرف الأخر قد تؤدي إلى تصرفات مسيئة أو أقوال جارحة تكون في الغالب كاذبة لأنها من نسج خيال الشخص و ناتجة عن فرضياته التي طرحها والمستندة بشكل كامل عن تلك الأحاسيس الوهمية والظنون السيئة التي نتجت أصلا عن عدم التحدث مع هذا الشخص و مناقشته لمعرفة أموره الصحيحة على أرض الواقع.
أرجعت مصدر هذا السلوك المنتشر في كل بقعة من المنزل للأخ البكر٬ من خلال ما وصلني فقد كان أهل البيت في وقت مضى يعيشون في جو هادئ لا يسوده أي شيء من هذا القبيل٬ كان هذا الأخ وقتئذ يتكلم بشكل طبيعي وبمشيئته كان لا يكثر٬ بمرور مدة معينة انتقل أبناء آخرون للعيش خارج الأسرة وفق رغباتهم ولم يؤثر ذلك على شيء٬ بعد مدة أخرى ومع حلول الموسم الدراسي بدأت تبعد بعض الروابط بين الإخوة المتبقون٬ بدأت ملامح المشكلة تظهر في تلك الأيام فلقد بدأ الأخ الكبير الذي كان قليل الكلام بتقليل وتقليص كلماته وجلساته العائلية وقتئذ كان مازل يدرس في الجامعة و لا أعلم كيف حتى أصبحت تلك عادته لا يتكلم مع أسرته بصراحة وراحة في جلسات عائلية٬ هو لم يكن في الماضي يشارك في تلك الجلسات بقوة و حرارة لكن يبدو أن ذلك كان بمشيئته ورغبته. مع مرور الزمن زاد الأمر سوءا ثم تسلل السلوك إلى الأخ والأخت خصوصا الأصغر فهو لا يتحدث لأن هذا الكبير لا يتحدث، هذا طبيعي من بعض الجوانب.
قد ينصح أحدهم هذا الأخ الصغير بالمبادرة والحديث فتتلاشى الحواجز فيما بعد٬ قد ينفع ذلك لحد ما لكن الأخير هذا لديه بعض من ذلك السلوك متأثرا بأخيه الأكبر٬ تخيل معي أنك تنام في غرفة واحدة مع شخص ولا يتكلم معك بنصف كلمة لا يبادر أبدا٬ يبادر الصخر وهو لا يبادر بحرف واحد، ما رأيك؟ الوالدين لم يتأثروا لكنهم أصبحوا لا يتكلمون مع الإخوة إلا في الأمور المهمة٬ قد حاولوا و صدموا بأسوار صامتة.
أعلم علما يقينيا أن هذا الأخ الأكبر غير راض عما يحصل وهذا يظهر جليا في محاولاته الاندماج خلال بعض المواقف اليومية٬ لكنني ألومه لعلمي باطلاعه على العلاقات الأسرية وبمكانته العلمية المختلفة والتزاماته الدينية. كيف أمكنه القبول بتلك الحالة طوال تلك الفترة وهو مسببها ذلك ما لم أفهمه. أنه يعلم أكثر من أي آخر المشاكل والأضرار المترتبة عن ذلك السلوك الذي يعيشه طوال الوقت. أنا لا ألومه بشكل كامل ولا أوجه له مسؤولية كل ما يحدث لكنني أعتقد أنه كان بإمكانه على الأقل شرح حالته عندما بدأه ذلك ولكل مشكلة حل.
لا تفهم قولي “لا يتحدث” أن هنالك عداوة أو أمور كتلك ولو رجعنا للنوايا لوجدناها حسنة لكنها قد تتلبد أحيانا بسوء الظن الناتج، لا يتحدث كما أشرت لتعوده على ذلك ولعدم قدرته على تخطي كل الحواجز وهذا قد يكون سببه الإهمال والكسل وعدم الاكتراث٬ أو سببه طغيان الجانب الساذج من شخصية الفرد على شخصه كاملا عندما يتعلق الأمر بالحديث مع أخوته أو سببه خمول الفرد وكسله الشديد حتى في إخراج كلمة من فمه٬ نعم هذا هو السبب الرئيس.
بالحديث عن الأخ الأصغر وهو زميل لي فقد تأثر كثيرا وضاع بسبب هذا السلوك٬ لا يمكنني لومه فقد وقع ضحية هذا الهراء السخيف لكنني أدرك أنه الأكثر شجاعة بينهم لتخطي ذلك٬ وإن كان على حساب الآخرين فهو كما قال لا يهمه أمر أخيه وحتى أخته إن كان ذلك سبب تخلصه من هذا الجحيم الذي سبب له تعاسة كبيرة أعضمها تلك الناتجة عن رسوبه في الدراسة٬ كان يذهب بتلك العقلية إلى المؤسسة التي يدرس فيها هذا ما لم يناسبه تماما وسبب له الكثير من المشاكل الدراسية وسط عالم يصنعه طلاب قد يشترون العالم بألسنتهم! هو يتحدث معي بكل صراحة لأنني صديق قديم له وحاورته في كثير من المرات بدون أي قيود، قد ينجر عن ما سبق وقلت عن هذه الحالة حالات من الخجل الشديد والخوف ولا أستطيع التعبير…. في مواجهة بعض الأشخاص الذين يكون النجاح في بعض الأمور مرهونا بالتعامل معهم وإقناعهم بضرورة نجاحنا، ولعل هذا أكثر شيء قد يندم عليه من حمل ذلك السلوك كما حدث للأخ الصغير زميلي الذي كان ذلك سبب رسوبه في دراسته.
عدم الحديث مع الأشخاص الذين يعيش أو يتعامل الفرد معهم كأسرته مثلا٬ تولد لديه الكثير من المضاعفات بسبب حشر جميع المشاعر والمشاكل والقضايا في الصدر الأمر الذي يشعر الإنسان أنه وحيد بينما هو بين أهله وأصحابه، تغير من سلوكه و تسبب له حالات متفاوتة من الإحباط والاكتئاب. يزيد الحال قوة ليتحول لحالة نفسية شديدة تقف عائقا كبيرا أمام تحقيق العديد من الرغبات والطموحات٬ هذه الحالة قد تغير إن استمرت لزمن طويل وتمكنت من الفرد، قد تغير من الأساسيات المكونة لشخصيته وتدمر قواعد ومبادئ وقيم ترتكز عليها صحة الشخص النفسية!
بالعودة قليلا للأعلى تحديدا لشأن الوالدين، كما وصلني فإن أب تلك الأسرة قليل المبادرة بصفة عامة، هو متعلم ومثقف ويمكن القول بأنه لا يوجد أحد في منطقته يحمل ما يحمله من الفكر والعلم، ومع ذلك هو متلبد ومتغير بما يتعلق بالمبادرة، تحديدا المبادرة في الكلام تماما كابنه _ مع أسرته_ ولا يصدق أحدا ما أقول إن رآه يتحدث مع أحد الأجانب فهو خبير في ذلك الشأن ، لكن مع أسرته…لا
من تبعات هذا السلوك أيضا الكثير من الأزمات الحادة داخل الأسرة كتفشي الانعزال بينهم وشعورهم بالوحدة رغم وجودهم تحت سقف واحد وقد تنشأ بمرور الزمن لديهم حالات متفاوتة من بعض الأمراض النفسية المعروفة. هذا السلوك يسبب عديد الاضطرابات الاجتماعية و نفر الناس اعتقادا منهم أن التقرب من هذا الشخص يسبب له حالات نفسية تمنعه من التفاعل ولو كانت رغبته عكس ذلك، فنجد تقرب الناس لهؤلاء ضعيف وهم لا يتمتعون بروابط قوية تجمعهم مع أي من شرائح المجتمع حتى المقربون منهم كأبناء أعمامهم وأخوالهم. وقد تسبب تلك الأوضاع خللا في التوافق النفسي للفرد ينجم عنه مشاكل كثيرة تفقد بشكل تام ثقة الشخص بنفسه وقدراته، ومن ذلك المزاج السيئ الذي ينتاب هؤلاء طوال الوقت خصوصا صباح كل يوم مما يؤدي إلى الانفعال والقيام بأمور قد تكون متهورة في كثير من الأحيان. كذلك تسبب حالات متفاوتة من القلق التهيج الانطواء المظاهر الوسواسية والغرابة في السلوك، ضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على مواجهة الآخرين.
عدم الحديث أو اضطرابات الكلام عند بعض الشباب المراهقين تتصف بالسلبية والعدوان والاكتئاب الشديد ويظهر ذلك داخل الأسرة ومع الأجانب خاصة بعد عمر ال 12 سنة وكردود انفعالية تظهر محاولات الانتحار والسرقة والانعزال، كما يلاحظ اضطرابات غذائية و تغيرات وزنية. حسب رأي المحللين فإن ذلك راجع لحرمان عاطفي شديد بسبب انفصال الوالدين أو الخلاف الحاد بينهما والخوف من فقدان الأشياء في فترة الطفولة مما يؤثر على نمو لغة الطفل والكلام الاختياري في تلك الفترة.
هذه دعوة صريحة مني لهؤلاء الإخوة للمضي قدما بدون أي نوع من التلبك في مصارحة الطرف الآخر وتدمير كل الحواجز فإذا كانت لديكم الآن أي مشكلة فسببها أنكم لم تحطموا تلك الحاجز من قبل. وأنتم أكثر الناس علما بسذاجة تلك السخافات البلهاء الحقيرة. دمروها، لإراحة كاهلكم على الأقل من صمت تلك السنين السوداء بينكم.
توضيح:
- طبيعي أن لا يفهم الجميع ما أقول فهذا السلوك لا يوجد إلا في هذه الأسرة٬ وقد لا يفهمه الواحد منا إلا بعد ملاقاة أولئك الأشخاص، إضافة إلى أنني لم أفهم بعض النقاط تتعلق بهم.
- هذه حالة أسرة أحد زملائي في الدراسة كثيرا ما حدثني عنها، آمل أن يفيد ما كتبت بشيء.
- اعلم جيدا بأنني قطعت أشواطا من التفكير قبل أن أفصح عن بعض ما جاء هنا. واعلم أنه لولا حاجتي الملحة لهذا الإفصاح لما فعلته فليست هذه بالأمور الحسنة لأتكلم عنها، لكنني أرجو من ذلك أن ينتهي ذلك السلوك وتلك الحالة المزرية في تلك الأسرة.
- من المؤكد أن هنالك الكثير من الأمور التي لم يتسنى لي ذكرها وقد تبدو بعض الأساليب غريبة وغير متناسقة بشكل صحيح، كتبت هذا المقال في وقت قصير تحت العديد من الانشغالات فالمعذرة لمن وجد أي نقص.
- أرجو من كل من فهم القصد أن يترك رأيه فإننا نحتاجه كثيرا.